الحدث قسم جديد سطيف العميقة رياضة صحة ركن الطبخ ثقافة صور إقتصاد روبورتاجات
الصفحة الأساسية > قسم جديد> حوارات

سيكولوجية الغرب الاستعماري في برمجة الكراهية و العقد النفسية للعرب والمسلمين

الجمعة 4 كانون الثاني (يناير) 2013


بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية بطريقة سلمية التي فاجأت توقعات كل دول العالم وخاصة الدول الغربية، التي كانت تتوقع عدم صمود الشباب الثائر في وجه أنظمة صنعوها ودعموها لتكون جبارة ضد شعوبها، وتجل ذلك في تدعيمه للأنظمة القائمة بكل الوسائل و الطرق السرية والعلنية إعلاميا سياسيا، وإقتصاديا وحتى مخابراتيا .

غير انه، وخوفا من تحول كل المنطقة العربية والاسلامية إلى وجهة مناهضة لسياساتها ومصالحها، نجده بعد الثورة المصرية مباشرة قد ركب موجه الثورات من خلال مساهمته في تغيير مسارها عن طريق السعي لإيجاد أنظمة موالية له أو بتلميع أسماء وشخصيات تضمن له استمرارية الهيمنة. ومن خلال سعيه لتغيير أسلوب هذه الثورات من طابعها السلمي إلى طابع دموي و تشجيعه المعارضة السياسية للعمل المسلح بدل انتهاج أسلوب الحوار والتغيير التدريجي، وهو يعلم أنها لا تقوى على مواجهة جيشا نظاميا مجهزا ومدربا، وذلك حتى يتناسب ومخططاته وأهدافه المشبوهة. وفي نفس الوقت حتى يخلق لنفسه مناخا وظروفا تسمح له بالتدخل بشكل مباشر وغير مباشر إما عبر الهيئات الأممية بقرارات وعقوبات تحت مبررات و دعاوي بعضها دعائي و بعضها الآخر يفتعله بوسائله السرية كالتفجيرات المروعة والمجازر المفزعة للمدنيين في مناطق وأماكن محددة لدفع الأمور إلى التعفن أكثر والاقتتال المذهبي والطائفي بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين الطوائف الأخرى، كما حدث في العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان واليوم في سوريا ومصر...وغيرها، وإما عبر التدخل العسكري المباشر كما حدث في ليبيا، و يراد له أن يتكرر المشهد ثانية في سوريا وقد يكون الدور لدول اخرى بعدها إن نجحوا في ذلك. حتى يضمن تواجده ومساهمته الفعلية و المباشرة في التغيير لفرض شروطه وأجنداته بعد سقوط الأنظمة القائمة وهوا ما لاحظناه من احتكار للشركات البترولية الغربية لغالبية الصفقات في العراق وليبيا. ومن جهة اخرى ونتيجة للأزمة المالية التي تواجه الغرب، أصبحت سياسة إشعال الحروب والتحريض عليها في مختلف المناطق وخاصة في العالمين العربي والإسلامي أحد الأدوات التي تنشط صناعاتها العسكرية، وتنعش تجارة الأسلحة ولواحقها في السوق الرسمية والسوداء، و بالتالي تتحرك اقتصادياتها من الركود والجمود الذي تعيشه في السنوات الأخيرة.

فالمعروف لدى العام والخاص من كل دول العالم الحر أن العقلية الغربية لا يمكن لها ان تتخلى عن الازدواجية في المعايير في كل شيء وفي كل الظروف خاصة إذا تعلق الأمر بقضاياه ومصالحه الاستراتيجية فلا تهمه المبادئ ولا القيم. حيث لا يعرف ولا يعترف إلا بمصالحه ونفوذه و فقط، أما الصداقة والاحترام وحقوق الانسان ما هي إلا مفاهيم للدعاية السياسة تستهدف دغدغة العواطف والمشاعر الجياشة والتواقة للحرية، و تخدير العقول لتتقبل كل ما يملى عليها من خطط وبرامج ومشاريع دون تفكير ولا تدبير ولا احتراز. فأين أصدقاء الغرب من صدام حسين الذي مولوه وورطوه في الحرب ضد ايران وغزو الكويت إلى القذافي الذي كلفوه بمهام قذرة في الدول العربية والإفريقية وبن علي ومبارك و غيرهم.؟ وأين حقوق الإنسان عند الغرب بالنسبة للشعوب الخليجية التي تتواجد بها قواعدهم العسكرية خاصة الأمريكية منها؟ وأين حقوق الشعب الفلسطيني التي انتهكت أرضه وعرضه وثرواته، بل طبقت عليه كل اشكال التمييز العنصري والاستبداد السياسي والاستعباد اللا إنساني من قبل الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني؟ بل نجد هذا الغرب الاستعماري الرسمي يقف دائما في وجه كل اشكال التنديد والإدانة بالمجازر والاغتيالات التي يرتكبها الاسرائيليون في حق الفلسطينيين شعبا ومقاومة واللبنانيين والعلماء والمفكرين في دول العالم الإسلامي في مجلس الأمن والهيئات الدولية الأخرى، مستعملا في ذلك حق الفيتو. فهل هذه الشعوب معفاة من حق الحرية والديمقراطية والكرامة؟ أم أنها غير معنية؟ أم أنهم يعتبرونها شعوبا لم ترق بعد إلى مستوى الإنسان؟

وكذلك نتساءل ألم تسعى كل الدول الغربية إلى إفشال الثورتين التونسية والمصرية بإنقاذ الرئيسين التونسي والمصري بكل الوسائل مستعملة خطابا مزدوجا وغامضا اتجاههما؟ ألم نشاهد صورا مباشرة في الفضائيات واليوتوب ونقرأ تقارير صحفية عن دور المخابرات الغربية خاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإسرائيلية حول هذه المحاولات اليائسة؟ ألم تعمل أمريكا وحلفائها على إنقاذ النظام اليمني، والبحريني والسعودي من كل التحركات الشعبية السلمية المطالبة بالكرامة والحرية على غرار الشعوب العربية الأخرى؟

في الحقيقة ما نراه في محيطنا العربي من تحولات سياسية وحراك اجتماعي لتأسيس مجتمعات تؤمن بقيم الحرية والعدالة والكرامة واحترام الآخر والاعتراف به والدفاع عنه مهما اختلف معه، وتوديع قيم التعصب والتطرف الفكري والديني والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لتنوبها قيم الحوار والجدل بالأفكار والمشاريع والبرامج، نجد الغرب الاستعماري يقف بالمرصاد دائما و غير راض عنا لنصل إلى هذا المستوى من القيم السلمية والحضارية رغم تبنيه لها في خطابه الإعلامي. لأنه يريدنا شعوبا همجية تتصرف بحيوانية وبدائية وحماقة في معالجة كل قضايانا واختلافاتنا الفكرية والدينية والسياسية وتنوعنا العرقي والثقافي والجغرافي. فلا يريد لنا ولن يريد لنا الخير مهما تواضعنا له، ومهما قدمنا له من خيرات ومصالح، ومهما تقربنا منه، أو حاولنا تسويق أنفسنا له في قالب الاعتدال والمسالمة والانبهار به وخدمته بإخلاص وتفان حتى على حساب مصالح شعوبنا. فهو لن يرض عنا في كل الأحوال والأحداث التاريخية الكثيرة شاهدة على ما نقول. لأنه ببساطة يريدنا عبيدا له، ضعاف النفوس تسيطر علينا النظرة الدونية للذات، وتؤرقنا عقدة الخوف والرهبة منه في كل زمان ومكان. ويريدنا مجتمعات تسيطر عليها العقد النفسية والإحباطات والكوابس والهواجس محطمين ومنهكين في دوامة العنف والألم والغبن والتعاسة والفقر، حتى تكبح كل إرادة التغيير لرد الاعتبار للذات و الافتخار بالانتماء الحضاري أو فرض الوجود بين الأمم الأخرى ندا للند.

ألا نلاحظ بأنه مازال يحشد كل طاقاته ليمارس علينا حروبه النفسية بكل ما أوتي من تكنولوجية الاتصالات والاعلام والعلوماتية، ساعيا من خلالها إلى إضعاف كل عناصر قوتنا بدءا بالقوة الفكرية و الثقافية والدينية، بتصنيفنا إلى تيارات وإيديولوجيات ومذاهب واثنيات وأعراق وجهات قطرية متناثرة، و نشره لفيروسات الصراعات والصدامات والاقتتال فيما بيننا، لإشغالنا وإلهائنا ببعضنا البعض، بهدف تشتيت انتباهنا واهتماماتنا عن القضايا الإستراتيجية والمصيرية والسيادية والتنموية والحضارية. حتى يفسح له المجال ليعبث بمستقبلنا ووجودنا وهويتنا كما يشاء. و استعماله لإستراتيجية التشكيك والتشويه لكل ما يرمز لعقيدتنا وديننا وقناعاتنا مستفزا مشاعرنا وعواطفنا بتصريحات وأفلام ورسوم ومؤلفات يروج لها في اوقات وظروف نفسية محددة بشكل منهجي تطبيقا لقوانين المنعكس الشرطي البافلوفي، حتى يلهينا بها و يروضنا لنندفع إلى ردود الفعل العنيفة والاستجابات غير الذكية والسلوكات التهورية، فيتسنى له توظيفها في سياسة التشهير والتشويه لصورتنا وسمعتنا ومبادئنا بأننا مجتمعات لا تؤمن بحرية التعبير، وبأننا همجيون، نهوى القتل والدم والدمار، بل يصورها على انها جزء لا يتجزأ من قيمنا وثقافتنا وديننا الاسلامي، ليحقق فينا عقدة الانتماء من جهة، و تعميق مشاعر اليأس وفقدان الثقة في أنفسنا، وبالتالي فقدان الأمل من المستقبل لبلوغ مستوى أشمل وأعمق من الاستلاب والقابلية للاستعمار.

و هو أخطر ما يعمل عليه الغرب في هذه المرحلة التاريخية من خلال محاولاته لبرمجة عقدة الكراهية والبغضاء والحساسية المفرطة بين المذاهب والأقاليم الاسلامية من جهة، و بين النعرات العرقية والدينية، عن طريق:

ـ تأسيس مواقع إلكترونية متخصصة.

ـ ودعم مجموعات وأقليات دينية ومذهبية متطرفة هنا وهناك وتحريضها على الصدام والصراع والإقتتال.

ـ و نشر تقارير ومعلومات مغلوطة ومشبوهة كفيروسات نفسية تنمي الأحقاد.

ويحدث هذا بتعاون طيع ووثيق من قبل المسلمين انفسهم، بأموالهم ودمائهم، ليتحول العداء من المسلمين للغرب الاستعماري و اسرائيل العنصرية إلى عداء بين المسلمين انفسهم. وهو اخطر تحدي يواجهه العالم الاسلامي اليوم.

و في نفس الاتجاه يعمل على توظيف كل مشاهد القتل والدمار اليومي التي تقع في مختلف مناطق العالم والتي يفتعلها ويفبركها بشكل مباشر أو غير مباشر(كأحداث 11 سبتمبر 2001 وغيرها) وتلك التي تقع في البلدان الاسلامية بتواطئه وتوجيهه وتدعيمه( كالتفجيرات التي تحدث في المساجد لطوائف دينية معينة ليوحي بأنها من فعل طوائف اخرى وتلك التي تقع في الأماكن العمومية بالعراق وباكستان والعراق ولبنان ومصر والجزائر وسوريا اليوم) لتتصدر العناوين الأولى في كل الصفحات الاخبارية اليومية لوسائل الاعلام العالمية، مطبقا علينا إستراتيجيات البرمجة النفسية العصبية لتحقيق النتائج السيكولوجية الاتية:

ـ تَدجِّين مشاعرنا وتَرويض أحاسيسنا لنصبح بُلداء، لا نشمئز و لا نتذمر و لا نتقزز ولا يتحرك فينا ضمير يؤنبنا أو يحرك فينا مشاعر الغيرة على أعراضنا ودمائنا وأوطاننا كمرحلة أولى.

ـ ألفة المشاهد بحيث تصبح عادية لدينا لا نستغربها ولا ننفعل اتجاهها في مرحلة ثانية.

ـ و بفعل التكرار والتعود نصل إلى نوع من التلذذ والتشفى من قتل فئة على حساب أخرى، كمرحلة ثالثة.

ـ ليصبح القتل والاغتيال لأي عربي او مسلم في مخيالنا وتمثُّلاتنا الذهنية أمرا مباحا ومشروعا فيبدو لدينا مجرد أمرا هامشيا كمرحلة رابعة.

ـ ثم أخيرا وبعد استدخالنا لهذه الأمور في لا وعينا وفي منظمومة تفكيرنا، وبعد تمرننا وتعودنا وتقبلنا لكل ما ذكر في المراحل السابقة، نصبح نحن الذين نوظف كل مأساتنا وآلامنا في الضحك على أنفسنا، وفي التنفيس والاستمتاع واللّهو بواقعنا المرير مجسدين أنفسنا في أقبح صورة، نلوم انفسنا ونتقبل الاتهامات والجرائم التي تنسب إلينا( في عروضنا المسرحية و أفلامنا وأدبياتنا و في كل أشكال تعبيرنا الفني والأدبي)، فلا نتحدث في ما يرتكب في حقنا من جرائم فعلية و حقيقية، و لا نفكر في الرفض الفعلي للتعدد الثقافي والحضاري من قبل الغرب الاستعماري المدَّعي بالديمقراطية. ساعين من خلالها إلى التنكر لذواتنا وهويتنا و الانسلاخ من انتمائنا الحضاري، كنوع من التكفير عن الذنب ونوع من التودد إليه(الغرب) والتقرب من الجلاد أكثر، لعله يقبلنا ويبتسم في وجوهنا ويشفق علينا. (كالعبيد الذي يضحك و يُقبٍل نَعْليْ سيده كلما بزق في وجهه).

بل أكثر من ذلك نجد الغرب يحتل أراضينا و يشن علينا حروبا عسكرية وإرهاب دولة، ولا يبالي بسيادتنا ولا بكرامتنا، حيث يقتل ويدمر ويحطم ويغتال من يشاء ومتى شاء، وكيفما شاء ويرتكب مجازر جماعية في كل مكان،( فلا أحد يتكلم او يشهر او يندد او يحاول ان يبدي امتعاضه ولو رمزيا مادام منطق القوي هو السيد)، فنجده (الغرب الاستعماري) يدافع عن جرائمه ويبررها ويسوقها في أفلامه وبرامجه الالكترونية الموجهة للأطفال على انها نوع من الدفاع عن النفس وعن القيم الإنسانية، وعلى أنها رسالة حضارية للشعوب. والأخطر في ذلك أنه يوجه اللوم والاتهام والتجريم لكل من يقف أمامه و يقاومه أو يحاول أن يصده، بالإرهاب والهمجية واللا إنسانية (الجلاد يتهم ضحاياه ويتحول إلى ضحية). إنها من أخطر عمليات اللعب على الوعي والإدراك عن طريق عمليات الترويض وغسيل الدماغ بالتقنيات النفسية الاعلامية والدبلوماسية المتطورة، لتبقى عقدة الذنب والخوف تلاحقنا وتسيطر على تفكيرنا ومشاعرنا، فتتأسس فينا عقلية التبرير والتبرُّؤ والتواطُؤ ضد بعضنا البعض، فينمو لدينا الاستعداد والقابلية لأن نكون ادوات طيعة في يديه للانخراط في كل مشاريعه التدميرية والفتنوية. حيث تُبرمج فينا الروح الانبطاحية والانهزامية والاستسلامية، التي تجعلنا مشلولي الارادة والوعي، و تقتل جهاز مناعتنا الفكرية و الحضارية، نصبح نقبل ونرضى بكل أشكال الذل والاحتقار لذواتنا.

وحتى جريمة الهولوكست التي ارتكبها الغربيون ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية حوَّلُوهَا إلى عقدة في نفوس العرب والمسلمين الذين راحوا يشككون فيها و يناقشون مصداقيتها وكأنهم هم الذين ارتكبوها، بدل تأكيدها والتشهير بها و توظيفها ضد السفاحين الحقيقيين(الدول الغربية) في الحرب النفسية ، والافتخار بقيم التسامح التي يمتاز بها الاسلام والمسلمين باستنجاد اليهود بهم ولجوئهم إلى الدول الاسلامية في مختلف بقاع الأرض هروبا من النازية والفاشية الغربية.

كما امتدت الحرب النفسية لإضعاف قوتنا الترابية والاجتماعية بالسعي إلى تقسيمنا إلى دويلات وإمارات بدءا من السودان ومرورا بالعراق وسوريا وباكستان وأفغانستان ولبنان والجزائر(من ما يحدث في الساحل الصحراوي في الحدود مع مالي ومشروع دولة التوارق المستقبلي) وانتهاء بمصر إن استطاعوا. و إضعاف قوتنا الاقتصادية عن طريق الاستيلاء على ثرواتنا واستغلالها بأبخس الأثمان ( العراق ودول الخليج نموذجا) أو عن طريق افتعال مشكلات وتوترات وحروب فيما بيننا لتعكير العلاقات وتمييع الطاقات باستنزافها بالاقتتال تارة و التسلح تارة اخرى (كما يحدث في دول الخليج من خلال الملف النووي الايراني) وبالتالي تعطيل عمليات التنمية المستدامة لشعوبنا وبقائها في دائرة التخلف والتبعية المطلقة. كما يعمل جاهدا على إضعاف قوتنا العلمية والتكنولوجية بمنعنا من التحكم في العلوم التكنولوجية السيادية (علم الفضاء والعلم النووي والعلوم العسكرية والعلوم الطبية والتكنولوجية...وغيرها) بالاستقطاب والإغراء لطاقاتنا وعباقرتنا تارة أو بالاغتيال تارة أخرى، أو بالتهميش والمحاصرة كما تفعل الأنظمة المستبدة التي يدعمها ويحميها. فهو يريدنا مجتمعات بهائمية استهلاكية لكل ما ينتجه لنبقى تحت رحمته ليستطيع تطبيق علينا قوانين التحكم في البهائم(جوِّع كَلْبَكَ يتبعك)(كالحصار الاقتصادي والمالي والدبلوماسي لكل من يقول لا للهيمنة ولا للخضوع ولا للذل، نعم للسيادة والاستقلالية والنَدية الحضارية).

أليس جدير بنا أن لا نلدغ عدة مرات من نفس الجحر و نستفيق من غفلتنا ونتجاوز خلافاتنا ونعيد النظر في عدونا الحقيقي، لندرك حقيقة نوايا هذا النظام الدولي الجديد الذي أصبح معلوما لدى الجميع من خلال ما يكتب وينشر من تقارير وكتب ودراسات إستراتيجية في ما يريد الوصل إليه في المديين القريب والبعيد؟ ألم يوظف الغرب الاستعماري ويجنّد الحركات الإسلامية عقائديا في محاربة الشيوعية، ثم انقلب عليه مباشرة تطبيقا لنظرية فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" عندما بشّر بانتصار الرأسمالية ونهاية عصر الإيديولوجيات، مستطرد بوجود إيديولوجية مازالت تنافس الرأسمالية وهي الإسلام،في قوله"ولكن الان فيما عدا العالم الاسلامي يبدو ان هناكاتفاقا عام على قبول الديمقراطية الحرة كأكثر أشكال الحكم عقلانية"(فرانسيس فوكوياما 1993 ص278.279). ليتحول فيما بعد من كانوا يسمونهم المجاهدين في أفغانستان في عهد الحرب على الشيوعية ( في عهد الاتحاد السوفياتي) إلى إرهابيين في عهد النظام الدولي الأحادي القطب، بجعل طاقتهم القتالية أداة هدم وتخريب لكل ما هو جميل في بلدانها الأصلية كما حدث في الجزائر منذ أكثر من عشر سنوات ومازالت آثاره إلى يومنا الحالي. و أسس مناخا لنمو الفكر التكفيري والتعصب الديني والسياسي ليوظفه في صناعة ما يسمى "الإسلامو فوبيا" العالمية.
فالمنطق والعقل وتجارب الأمم عبر التاريخ تعلمنا ان لا نجعل هذا الواقع الاستعماري الجديد قدرا محتوما علينا، نستسلم له ونسلم له مصيرنا او نقبل الخضوع له بالضغط و التهديد، لنبقى كلعبة الشطرنج بين أيديهم يفعلون بنا ما يشاؤون و يصنعون أمجادهم ومصالحهم بدمائنا وطاقاتنا وثرواتنا دون ان يكلفوا انفسهم شيئا مستغلين اميتنا وغفلتنا وقابليتنا لأن نكون دمى تحركها كما تشاء وضد من تشاء ووقت ما تشاء.

فقوة الآخرين تكمن في ضعفنا وتخلفنا العلمي والتربوي والتكنولوجي والعسكري وتبعيتنا الاقتصادية و استعدادنا للتواطؤ ضد بعضنا البعض والاقتتال فيما بيننا حول قضايا هامشية ووهمية تُفتعل وتُصنعُ لنا للايقاع بنا في الكثير من الأحيان وفق سيناريوهات هوليوودية، كما أشرنا إليها سابقا. و تكمن أيضا في عدم إدراكنا ووعينا وجهلنا بقوانين صناعة الحياة العزيزة والكريمة، وتجاهلنا أونسياننا لتاريخنا، مع جهلنا بقوانين لعبة الأمم.

إننا نملك من عناصر القوة الفكرية والثقافية والاقتصادية، والجغرافيا والاجتماعية، التي نستطيع بها إثبات وجودنا بين الأمم ندا للند ومنافستها في كل المجالات، لو أحسنا توظيفها في الاتجاه الذي يحقق النمو والتطور فتتعزز سيادتنا و استقلالنا. لأننا لا نعرف ترتيب الأولويات في مشاريعنا وبرامجنا التنموية، فقد تجاهلنا كثيرا الاستثمار في الانسان، بل يمكن القول أننا حطمناه من جميع الجوانب، حيث أنشأناه وورثناه عقدا نفسية انهزامية منذ الصبى إلى سن الشيخوخة، فجعلته:

ـ يعيش تائها خائفا من كل شيء سواء كان مجهولا او معلوما.

ـ وجعلناه يهتم بالقشور والتوافه.

ـ كما أصبح يتجادل و يتقاتل مع بني جنسه ودينه ووطنه بسبب قضايا غيبية و خلافات تاريخية، أو نتيجة لاختلاف في الرأي.

ـ كما أصبح ينفر من كل ما هو جميل في الحياة، حيث يستثقل العمل ويحتقر العلم و يحرم الابداع والاجتهاد فغاب عنه التفكير الايجابي و النظرة المستقبلية التفاؤلية للحياة.

فالغرب الاستعماري نجده عبر الزمن حريص أكثر على بقاء جبروته واستئساده وتفوقه علينا، اما نحن حريصين على تبرير فشلنا وضعفنا، وحريصين على إذلال بعضنا البعض وتكريس مشاعر الإحباط واليأس بيننا و والانشغال بعورات بعضنا البعض مع تبادل الاتهامات فيما بيننا. حتى أسسنا قناعات لدى اجيالنا بأن مصيرنا ليس بين ايدينا بل يصنعه دائما غيرنا.

مع العلم أن الغرب الاستعماري يريد أن يُقرَّ فينا ذهنية وعقلية بقاعدة بيانات ومعلومات ومعارف تجعلنا ندركه بمثابة إلهُُ في الأرض بعد الله، و نُسلم به ونؤمن ونصدق دائما بكل ما يقوله ونقتنع باليقين أنه المدبر والمخطط لكل شيء يصيبنا خيرا كان او شرا حتى في أبسط الأمور الحياتية وعند كل إرادة تغيير نحو الأحسن. ويصل بنا إلى عقيدة راسخة بأنه لا حول ولا قوة لنا أمامه. فنبقى نعيش تحت قهر الخوف والرهبة من كل ما يرمز إلى جبروته عبر الزمن، لتسيطر علينا العقلية التواكلية في كل شيء فلا نقوى على رفع أي تحد يواجهنا.

وقد نجح إلى حد كبير في ذلك، بفعل عدة عوامل من اهمها :

ـ مساهمتنا في تسويق تلك التصورات المثالية والخيالية عنه مجانا، نتيجة تأثير الجهل أحيانا (فإننا أمة لا تقرأ، ولا تريد ان تعرف كيف و فيما يفكر فيه الآخرين من خلال ما يكتبونه وينشرونه ويخططونه).

ـ و بفعل تأثير شدة الانبهار به أحيانا أخرى من خلال تطوره العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، وخاصة بفعل تأثير الصورة النمطية التي تكونت عنه عن طريق البرمجة العصبية التي ساهمت فيها تكنولوجية الاتصال و الإعلام المتطورة من خلال ما ينتجه ويبثه من أفلام حربية وبوليسية وخيالية وأعمال درامية ومسلسلات و أشرطة الوثائقية وألعاب الفيديو والكومبيوتر، بتقنيات عالية تجسده على ان الإنسان الغربي خارق للعادة لا يغلب ولا يهزم، فهو دائما البطل والمنتصر في كل ميدان ومجال ومعركة، و الأذكى من كل المجتمعات الاخرى الذي يتقن كل شيء ويتفنن في كل العلوم والتكنولوجية، فلا يخدع....... وغيرها.

بينما يصورنا نحن العرب والمسلمين أننا مجتمعات إرهابية ووحشية همجية و فوضوية، نتلذذ بالنكد في والغبن والتعاسة. حتى أصبحنا اليوم نعيش بعقدة الذنب اتجاه جرم لم نرتكبه، لأننا حريصين اليوم على تعديل أنفسنا وتبرئتها من كل الأوصاف الدنيئة (التطرف، الإرهاب، التعصب، و الاجرام...وغيرها) التي يلصقها بها الغرب الاستعماري. حيث كثيرا ما نتصرف ونفكر بعقلية المُتَّهَم، لعلنا نلقى الرّضىَ و الثناء فلا يضعنا من المغضوب عليهم. بالرغم انهم الأكثر تطرفا وتعصبا لحضارتهم وقيمهم من جميع الجوانب، فهم يؤمنون بالديمقراطية ويسوقونها ولكنهم لا يقبلون التعدد الثقافي ولا الفكري ولا الديني ولا العلمي والتكنولوجي ولا يعترفون بالأمم والحضارات الأخرى، إلا كهوامش واستثناءات مثل ما قاله باري بوزانBarry Byzan في مقال نشرته مجلة شؤون دولية امريكية سنة 1991 بعنوان " السياسة الواقعية في العالم الجديد ، انماط جديدة للأمن العالمي"حينما قسم العالم إلى مركز وأطراف وأشباه اطراف، وان مسألة الأمن الاجتماعي في العلاقة بين المركز والأطراف أصبحت ذات أهمية بالغة عما كان عليه الأمر في عهد الحرب الباردة، وخاصة فيما يخص الأخطارالتي حسب قوله تؤثر في هوية المجتمعات وثقافتها ، معتبرا الهجرة من الجنوب إلى الشمال(التصادم بين الهويات الحضارية المتنافسة) يعتبر اهم قضية تواجه المركز، على ان التصادم هو اوضح ما يكون بين الاسلام والغرب..). إذن فهم يريدون دائما عبر التاريخ من خلال حملاتهم الاستعمارية من الشعوب الأخرى ان تذوب فيهم وتتخلى عن هوياتهم. وهو ما قصده فوكو ياما في كتابه نهاية التاريخ بنهاية عهد الايديولوجيات و ظهور عهد انتصار الرأسمالية إلى الأبد كنموذج حياة لكل الشعوب والأمم وحاول فرضه المحافظون المتطرفون الأمريكيون بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من خلال النظام الدولي الأحادي القطب. و ما قصده أيضا صموئيل هنتنغتون في كتابه (من نحن والهوية الأمريكية الصادر سنة 2004 )عندما قال " أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور". و ما قصده عند تناوله لأهم التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية مثل:" التقدم في وسائل الاتصالات والمواصلات، والذي أدى حسب هنتنغتون إلى ربط المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة بمجتمعاتهم القديمة بشكل قوي وغير مسبوق، ما أضعف من اندماجهم بالمجتمع الأميركي وسهل عملية تواصلهم مع مجتمعاتهم الأصلية وشجع المهاجرين الجدد على الحفاظ على ثقافاتهم الأصلية وهوياتهم الأجنبية ومحاولة نشر هذه الهويات بين أبناء بلدانهم في أميركا." فلا أظن يوجد تطرف وتعصب اكثر من هذا.

وهو ما يظهر جليا يتجسد في مسلسل حملات التشويه والاستفزاز لمشاعر المسلمين ومضايقتهم في شعائرهم (الحجاب وذبح أضاحي العيد ...... وغيرها) بكل الوسائل لتوظيف ردود افعالهم الاندفاعية والتهورية لتحقيق أغراض سياسية و دعائية.

فإذا كانوا هم رجال فنحن رجال أيضا كما كان اجدادنا في عهد اوج الحضارة الاسلامية في الأندلس وبجاية وتلمسان وبغداد، عندما كان الغرب يتعلم في مدارسنا وجامعاتنا تاريخه و المبادئ الأولى في الحريات والعدالة الاجتماعية و القيم الإنسانية النبيلة والتي بواسطتها احدث نقلة نوعية في حضارته وحطم قيود الكنيسة وجبروتها. فقد علمتنا تجارب الأمم و تاريخ الحضارات كما قال الفيلسوف الأنجليزي شبنغلر: "ان للحضارات دورات فلكية تغيب هنا لتشرق هناك ويوشك ان تشرق حضارة من الشرق"، أننا يمكن أن نكون صناع الحياة والأمل والحضارة والسلام.

لكن لا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا انتصرنا على أنفسنا أولا وحررناها من العقد النفسية والمخاوف والأوهام والخرافات التي أثبطت عزائمنا وكبلت إرادتنا في التغيير الايجابي و الاجتهاد في العلم (إذا كنا نعتقد أنه "لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"، او "ان العلماء هم حقا ورثة الأنبياء") و الانضباط في العمل وإتقانه إذا كنا نعتقد بأنه عبادة، ويكمن ايضا في تثميننا للوقت(الزمن) وقدرتنا على استثماره والحرص عليه إذا كنا نؤمن فعلا انه هو الحياة ونعتقد فعلا "ان نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس،الصحة والفراغ" . مع إعادة النظر في أولويات تفكيرنا واهتماماتنا لنغرس الوعي بين أفراد أمتنا، فنتفادى الكمائن الفكرية التي تنصب لنا من حين لآخر ونتجنب الهزائم النفسية التي يريد إيقاعنا فيها بمختلف الوسائل( الحروب النفسية او الحروب الناعمة). و نركز عملنا على تعزيز الثقة بأنفسنا للاستفادة من كل مقومات قوتنا، نبلورها على شكل مشاريع برامج وأعمال علمية و فكرية وتربوية وأدبية وفنية ودرامية نغذي بها نفوس الأجيال الناشئة لعلها تستعيد الشعور بالنقاهة وينمو لديها روح التحدي. وبذلك نستطيع تأسيس مجتمعات تؤمن وتثق بقدراتها وطاقاتها وتستوعب قوانين التغيير الاجتماعي(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و أنه ( إذا عزمتم فتوكلوا على الله) أي عندما نريد نستطيع (Quant on veut on peut). لأن التغيير الحقيقي يكون في تغيير التصورات والقناعات نحو الذات ( تكوين مفهوم إيجابي حول الذات من حيث قدراتها وقيمتها ومكانتها) ونحو الاخرين ( بالنظر إليهم بشكل نَدِّي هم رجال ونحن رجال) من خلال إعادة برمجة العقول وتحصين الأجهزة النفسية من كل العقد وشحنها بالإرادة والعزيمة. مع تعزيز استقلالنا الاقتصادي والسياسي والعلمي والتكنولوجي لنحتل مكانة محترمة بين الأمم ونعيش أسيادا بينها، دون ذلك قد ينسانا التاريخ.

الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف 2 الجزائر

سطيف في 16 /09/2012


الدكتور خالد عبد السلام


2011-2017 سطيف.نت : موقع إخباري يهتم بولاية سطيف
خريطة الموقع | | للاتصال